الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

194

تفسير روح البيان

وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام وكل ذلك مدرك بالحس والمشاهدة وإنكاره معاندة وان أردت التفصيل وحقيقة الحال فاستمع لما نتلو عليك من المقال وهو ان السحر اظهار امر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة اعمال مخصوصة يجرى فيه التعلم والتعليم وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة * واختلف العلماء في حقيقة السحر بمعنى ثبوته في الخارج فذهب الجمهور إلى ثبوته فيه * وقالت المعتزلة لا ثبوت له ولا وجود له في الخارج بل هو تمويه وتخييل ومجرد إراءة مالا حقيقة له يرى الحبال حيات بمنزلة الشعوذة التي سببها خفة حركات اليد أو إخفاء وجه الحيلة وتمسكوا بقوله تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ولنا وجهان الأول يدل على الجواز والثاني يدل على الوقوع اما الأول فهو إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة اللّه فإنه الخالق وانما الساحر فاعل وكاسب واما الثاني فهو قوله تعالى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وفيه اشعار بأنه ثابت حقيقة ليس مجرد إراءة وتمويه وبان المؤثر والخالق هو اللّه تعالى وحده واما الشعوذة وما يجرى مجراها من اظهار الأمور العجيبة بواسطة ترتيب آلات الهندسة وخفة اليد والاستعانة بخواص الأدوية والأحجار فاطلاق السحر عليها مجاز أو لما فيها من الدقة لأنه في الأصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفى سببه ولذا يقال سحر حلال وأكثر من يتعاطى السحر من الانس النساء وخاصة في حال حيضهم والأرواح الخبيثة ترى غالبا للطبائع المغلوبة والنفوس الرذيلة وان لم يكن لهم رياضة كالنساء والصبيان والمخنثين والإنسان إذا فسد نفسه أو مزاجه يشتهى ما يضره ويتلذذ به بل يعشق ذلك عشقا يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله والشيطان خبيث فإذا تقرب صاحب العزائم والاقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض أغراضهم كمن يعطى رجلا مالا ليقتل من يريد قتله أو يعينه على فاحشة أو ينال منه فاحشة ولذلك يكتب السحرة والمعزمون في كثير من الأمور كلام اللّه تعالى بالنجاسة والدماء ويتقربون بالقرابين من حيوان ناطق وغير ناطق والبخور وترك الصلاة والصوم واباحات الدماء ونكاح ذوات المحارم وإلقاء المصحف في القاذورات وغير ذلك مما ليس للّه فيه رضى فإذا قالوا كفرا أو كتبوه أو فعلوه اعانتهم الشياطين لاغراضهم أو بعضها اما بتغوير ماء واما بان يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة واما ان يأتيه بمال من أموال الناس كما يسرقه الشياطين من أموال الخائنين ومن لم يذكر اسم اللّه عليه ويأتي به واما غير ذلك من قتل أعدائهم أو أمراضهم أو جلب من يهوونه وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الساحر ويقف بعرفات ليظن من يحسن به الظن انه وقف بعرفات وقد زين لهم الشيطان ان هذا كرامات الصالحين وهو من تلبيس الشيطان فان اللّه تعالى لا يعبد الا بما هو واجب أو مستحب وما فعلوه ليس بواجب ولا مستحب شرعا بل هو منهى حرام ونعوذ باللّه من اعتقاد ما هو حرام عبادة ولأهل الضلال الذين لهم عبادة على غير الوجه الشرعي مكاشفات أحيانا وتأثيرات يأوون كثيرا إلى مواضع الشياطين التي نهى عن الصلاة فيها كالحمام والمزبلة وأعطان الإبل وغير ذلك مما هو من مواضع النجاسات لان الشياطين تنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض